السيد محمد باقر الصدر

100

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

النقطة الثالثة : إنّا إذ نؤمن بأنّ الدليل الاستقرائي كفيل بإثبات السببيّة بدون حاجة إلى مصادرات قبليّة ، نريد بذلك السببيّة بالمفهوم العقلي الذي يعبّر عن علاقة ضرورة بين السبب والمسبّب . وأمّا إذا استبعدنا السببيّة بالمفهوم العقلي ، وافترضنا أنّه لا طريق إلى إثباتها لا قبل الاستقراء ولا بالاستقراء نفسه ، فليس بالإمكان أن نثبت بالدليل الاستقرائي السببيّة بالمفهوم التجريبي ، ولا أيّ تعميم من التعميمات التي يثبتها الاستقراء عادة . فالشرط الأساسي لإنتاج الدليل الاستقرائي في رأينا أن يكون قادراً على إثبات السببيّة بالمفهوم العقلي ، وما لم نثبت السببيّة العقليّة يعجز الدليل الاستقرائي عن إثبات أيّ تعميم ، بل وحتّى عن ترجيحه بأيّ درجة من درجات الترجيح . وسوف أعود إلى توضيح هذه النقطة فيما بعد . ولا أجدني قادراً الآن على تبرير هذا الشرط الأساسي وتفسير أنّه كيف يعجز الدليل الاستقرائي عن إثبات أيّ تعميم إذا لم نفترض قدرته على إثبات السببيّة العقليّة ؛ لأنّ ذلك يرتبط بنظريّتنا التي نفسّر على أساسها الدليل الاستقرائي والطفرة التي يستبطنها من الخاصّ إلى العامّ ، ولهذا أكتفي الآن بهذه الإشارة تاركاً توضيح مغزاها الكامل إلى القسم الثالث من بحوث هذا الكتاب . موقف الاتجاه الأوّل من المشكلة الثانية : وأمّا الموقف الذي وقفه هذا الاتجاه التجريبي من المشكلة الثانية من مشاكل الاستقراء الثلاث - وهي المشكلة التي استقطبت اهتمام المنطق الأرسطي - فيمكننا أن نستخلص النقطة الجوهريّة فيه ممّا تقدّم ؛ لأنّ هذا الاتجاه التجريبي آمن بقضيّة الاطّراد في الطبيعة القائلة : بأنّ ظاهرةً ما إذا وجدت عقيب ظاهرة أخرى في ظلّ شروط معيّنة فسوف توجد عقيبها دائماً في ظلّ نفس